جمع نصوص الطعن فيه، وما انفرد به في الفتنة والفضائل، مع قراءة تفسيرية
محمد بن إسحاق بن يسار المدني المطلبي مولاهم، خرج من المدينة قديمًا فطاف الكوفة والجزيرة والري، ثم استقر ببغداد حتى مات بها (تهذيب التهذيب، ط الرسالة 3/506). واتصل بالبلاط العباسي، فذكر الخطيب البغدادي وغيره أنه صنّف المغازي للخليفة المنصور ولابنه المهدي؛ فكتابه الذي طبّقت شهرته الآفاق إنما وُضع برعاية الدولة العباسية وتحت عينها. وأهل بلده الذين خبروه أعرف الناس به، وهم الذين جرحوه أشد الجرح، وعلى رأسهم إماما المدينة: مالك بن أنس وهشام بن عروة.
اجتمع على إطلاق لفظ الكذب عليه خمسة من رجال القرن الثاني:
1. هشام بن عروة بن الزبير: قال يحيى بن سعيد القطان: سمعت هشام بن عروة يقول: «يحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إن رآها قط» (تهذيب التهذيب 3/505). وفي رواية: «حُدِّث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدخلت عليّ وهي بنت تسع سنين، وما رأت رجلًا حتى لقيت الله» (سير أعلام النبلاء 7/45). فهذا زوجها وأعلم الناس ببيته يشهد عليه بادعاء سماعٍ لم يقع.
2. مالك بن أنس إمام دار الهجرة: قال: «دجّال من الدجاجلة» (تهذيب التهذيب 3/505)، وفي رواية لما بلغه قول ابن إسحاق في الموطأ «ائتوني به فإني أنا بيطاره»: «هذا دجّال من الدجاجلة، يروي عن اليهود» (سير أعلام النبلاء 7/47؛ تاريخ بغداد). والدجّال في لسان العرب: الكذّاب المموِّه الذي يغطي الحق بالباطل، فهو أغلظ من لفظ «كذّاب» نفسه.
3. سليمان التيمي البصري العابد: كذّبه، كما نص عليه ابن حجر (تهذيب التهذيب 3/507).
4. يحيى بن سعيد القطان: شيخ النقاد وأستاذ أحمد وابن معين والمدرسة كلها، كذّبه، ورُوي عنه: «ما تركت حديثه إلا لله، أشهد أنه كذّاب» (تهذيب التهذيب 3/507؛ سير أعلام النبلاء 7/45).
5. وهيب بن خالد البصري: كذّبه، وقد سأل مالكًا وهشامًا بنفسه فسمع الجرح من فمهما (تهذيب التهذيب 3/507؛ سير أعلام النبلاء 7/45).
والقراءة التفسيرية لهذه الشهادات: أن الذين كذّبوه ليسوا آحادًا مغمورين، بل زوج شيخته، وإمام المدينة، وإمام نقاد البصرة؛ أهل بلده وعشرائه الذين عاينوه، بخلاف من وثّقه من أهل العراق الذين إنما عرفوه شيخًا قادمًا عليهم بغرائب المغازي. ومن قدّم أهل الخبرة الملاصقة على أهل السماع البعيد — وهو الأصل في باب الشهادات — لم يستطع اطّراح هذه النصوص.
| الناقد | نص الجرح | المصدر |
|---|---|---|
| أحمد بن حنبل | «ليس بحجة»؛ «لم يكن يحتج به في السنن»؛ «كان ابن إسحاق يدلّس»؛ وسئل: إذا انفرد بحديث تقبله؟ قال: «لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا» | تهذيب التهذيب 3/506 |
| أحمد أيضًا | «كان رجلًا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه»؛ «قدم بغداد فكان لا يبالي عمّن يحكي، عن الكلبي وغيره» | تهذيب التهذيب 3/506 |
| ابن نمير | «إنما أُتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة» | تهذيب التهذيب 3/505-506 |
| ابن معين | «ليس بالقوي»، «ليس بذاك، ضعيف»، وعن الميموني: «ضعيف»، وفي رواية: «ثقة وليس بحجة» | تهذيب التهذيب 3/506 |
| النسائي | «ليس بالقوي» | تهذيب التهذيب 3/506 |
| الدارقطني | «اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، إنما يُعتبر به» | تهذيب التهذيب 3/507 |
| أبو حاتم الرازي | «يُكتب حديثه» — وهي عند أهل الاصطلاح من ألفاظ التليين: يُكتب للاعتبار لا للاحتجاج | تهذيب التهذيب 3/507 |
| ابن المديني | «لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب» | تهذيب التهذيب 3/507 |
| مصعب الزبيري | «كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث» | تهذيب التهذيب 3/505 |
فمجموع هذا الباب أربع علل قائمة في صنعته: التدليس المطبق حتى قيّد أحمد قبول حديثه بتصريح السماع في كتاب إبراهيم بن سعد وحده؛ وجمع الأسانيد في سياق واحد فلا يتميز لفظ هذا من لفظ ذاك، وهي طريقة تفسد الحجية من أصلها؛ والأخذ عن كل أحد من المجهولين وأهل الكتاب وأبناء يهود المدينة وعن الكلبي المتروك؛ وأخذ كتب الناس ووضعها في كتبه، وهو ما يسميه المحدثون سرقة الصحف.
القدر: قال الدراوردي: «وجُلد ابن إسحاق، يعني في القدر» (تهذيب التهذيب 3/505). فلم يكن الأمر مجرد قالة، بل بلغ أن ضُرب عليه بالسياط في المدينة، ولا يُجلد الرجل في بدعة إلا وقد قامت عليه فيها شهرة وبيّنة عند ولاتها وفقهائها. وقال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم إن كلام مالك فيه إنما كان «لأنه اتهمه بالقدر» (تهذيب التهذيب 3/505)، فمالك نفسه — وهو من هو في التثبت — عدّه قدريًّا.
التشيع: قال ابن حجر في التقريب: «ورُمي بالتشيع والقدر»، وقال الجوزجاني: «الناس يشتهون حديثه، وكان يُرمى بغير نوع من البدع» (تهذيب التهذيب 3/505)، أي اجتمعت فيه بدع متعددة الأنواع لا بدعة واحدة.
والقراءة التفسيرية: رجل هذه حاله — قدري مجلود، مرميّ بالتشيع، متصل بالدولة العباسية التي قام سلطانها على دعوى آل البيت — يضع كتابًا في السيرة برعاية خلفائها؛ فاجتماع هوى المذهب وهوى السلطان في كتاب واحد يوجب على الناظر أشد الحذر في كل ما تفرد به من أخبار الفتن والفضائل والمثالب، فإن المغازي والسير هي الميدان الذي تُصفّى فيه الحسابات المذهبية. وقد قال البخاري: «ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها» (تهذيب التهذيب 3/505)، وتفرُّدُ من هذه صفته بألف حديث بابٌ واسع للمناكير.
قاعدة الباب: قال البخاري: «محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها» (تهذيب التهذيب 3/505)، وسئل أحمد: إذا انفرد بحديث تقبله؟ قال: «لا والله» (تهذيب التهذيب 3/506)، وقال الذهبي: «له غرائب في سعة ما روى تُستنكر» (ميزان الاعتدال، ترجمته). فهذه أمثلة محققة من تلك الغرائب في أبواب الفتنة والفضائل:
والقراءة التفسيرية لهذا الباب: النمط واحد مطّرد: تفرُّدٌ بأخبار جسام في أبواب حساسة (الوصية، العصمة، التفضيل)، عبر شيوخ متروكين أو مراسيل أو بلاغات لا تتصل، بما يوافق البدعتين المرميّ بهما وهوى الدولة التي صنّف لها. ومن اجتمع فيه ضعف الآلة والتهمة في الهوى لم يُقبل تفرده في مثل هذا بحال.
كذّبه خمسة من أعيان القرن الثاني وفيهم إماما المدينة وإمام نقاد البصرة؛ وأجمع من بعدهم على أنه ليس بحجة: صرّح بها أحمد وابن معين في رواية والدارقطني؛ وضعّفه ابن معين في روايات والنسائي؛ وثبت تدليسه وأخذه عن المجهولين وأهل الكتاب وجمعه الأسانيد وأخذه كتب الناس؛ وجُلد في القدر ورُمي بالتشيع؛ وصنّف كتابه للعباسيين. فأقل أحواله عند من يحسن الظن أنه لا يُحتج بشيء ينفرد به، لا في الأحكام ولا في أخبار الفتن والفضائل، وأن ما تفرد به في السيرة يُروى للاستئناس لا للاعتقاد؛ وأما من قدّم جرح أهل بلده العارفين به فالأمر عنده أشد.
ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب (ط مؤسسة الرسالة)، ترجمة محمد بن إسحاق، 3/504-507؛ وتقريب التهذيب، ترجمته.
الذهبي، سير أعلام النبلاء، ترجمة ابن إسحاق (الطبقة السادسة، 7/33-55)؛ وميزان الاعتدال، ترجمته.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ترجمة محمد بن إسحاق.
المزي، تهذيب الكمال، باب الميم، ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ذكر بدء الدعوة (حديث الدار)؛ وجامع البيان عند آية ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ وسورة الحج (قصة الغرانيق).
ابن هشام، السيرة النبوية عن ابن إسحاق (إسلام علي، والمبيت على الفراش).
الشوكاني، فتح القدير؛ والشنقيطي، أضواء البيان (في الحكم على قصة الغرانيق).